سيف الدين الآمدي

136

أبكار الأفكار في أصول الدين

وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فادخل بنا لنسأله عن هذا الأمر فإن كان / لنا بيّنه ، وإن كان لغيرنا وصّى الناس بنا » « 1 » ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نصّ على أحد ؛ لكان العبّاس وعليّ أعرف به من غيرهما ، ولا يمكن أن يكون المراد من قول العباس استعلام بقاء الأمر له . فإنّ قوله « لنا ، أو لغيرنا » ظاهر في الاستحقاق لا في استدامة المستحق ؛ فحمله على معرفة الاستدامة تكون خلاف الظاهر . فإن قيل : سلّمنا أن التّنصيص على الإمام من عظائم الأمور ؛ ولكن لا نسلّم أن وقوع ذلك بمشهد من الجمع الكثير مما يوجب اشتهاره ، وتواتره . وبيانه : هو أن إقامة الصّلاة من الأمور العظيمة ، ومن قواعد الدين ، وقد وقعت في زمن الرّسول بمشهد من كل الصّحابة في كل يوم ، وليلة خمس مرات طول حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك فلم تنتشر ولم تتواتر حتى وقع الخلاف في عدد كلماتها ، وأنها مثنى ، أو فرادى ، وكذلك انشقاق القمر ، وفتح مكة عنوة [ أو صلحا ] « 2 » ، وكون البسملة من القرآن في أول كل سورة ، من عظائم الأمور ، وقد وقع بمشهد من الخلق ، ولم ينتشر حتى وقع الخلاف في جميع ذلك . سلّمنا أن ما وقع من الأمور العظيمة بمشهد من الخلق الكثير لا بدّ وأن يتواتر ، وينتشر ، ولكن متى إذا وجد الدّاعى لهم إلى الكتمان من منفعة عظيمة [ أو مضرة عظيمة ] « 3 » تلحقهم من الإشاعة ، أو إذا لم يوجد ؟ الأول : ممنوع ، والثاني مسلم ، فلم قلتم إن الدّاعى إلى الكتمان لم يوجد . ثم بيان احتمال الدّاعى إلى الكتمان أنه من الجائز أنهم اعتقدوا وجود ناسخ للنصّ ، وبتقدير اعتقادهم صحّة النّصّ فيمكن أن يكون الدّاعى إلى كتمانه عداوة سابقة ، أو أنّهم حسدوه على تميّزه بتأميره عليهم ، وذلك غير ممتنع على الذين سمعوا التّنصيص وعلموا صحته ، وبيانه من وجهين : - الأول : أن عدد المستمعين للنّص لا يزيد على عدد قوم فرعون ، وقد قال - تعالى - في حقهم : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا « 4 » : أي بالآيات التسع التي ظهرت على يد موسى .

--> ( 1 ) ورد في تاريخ الطبري وبه زيادة : « قال على - رضي اللّه عنه - والله لئن سألناها رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - فمنعناها ؛ لا يعطينا النّاس أبدا ، والله لا أسألها رسول الله أبدا » . قارن به شرح نهج البلاغة 1 / 309 . ( 2 ) ساقط من « أ » . ( 3 ) ساقط من « أ » . ( 4 ) سورة النمل 27 / 14 .